استشهاد الشيخ الشهيد سعيد البالوي وأصدقائه، الذي قام بأول انتفاضة إسلامية بعد إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا.

عندما أسس مصطفى كمال جمهورية تركيا الحديثة أقامها على بتِّ الصلة بالإسلام، وقطع صلاتها بالمسلمين، وأرغم على التفرنج في الهيئة والسلوك، وشجع النـزعات الإلحادية، وقمع الصوت الإسلامي تماماً، وكلح وجه تركيا، وكان العلماء آنذاك يدورون بين خيارات: إما السكوت على مضض والانحناء أمام تلك العاصفة الهوجاء، وإما المهادنة والرضا، وإما الاعتراض، وإما الثورة والعصيان.

وقد واجه مصطفى كمال اعتراضات العلماء بوحشية وصفاقة، فأعدم منهم عدداً كبيراً، وسجن آخرين، أما العلماء الذين عصوا وثاروا -وكانوا قلة نادرة- فقد واجههم الجيش التركي الجرار الذي لم يبق ولم يذر، وقضى على ثورتهم بسرعة، ومن هؤلاء الشيخ سعيد بيران.

وهو سعيد بن محمود بن علي البالوي نسبة إلى بالو وهي منطقة من المناطق الكردية، وكان جده علي قد استقر فيها ونسب إليها، ولد الشيخ سعيد في بالو سنة 1865 في قرية بيران، وتعلم على يد والده، فحفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة، ثم درس الفقه.

وكان والده زعيماً دينياً يلتف حوله الناس، وكان نقشبندياً، فلما مات ورثه ولده سعيد هذا في الزعامة الدينية والتف حوله الأكراد وبعض الأتراك، ومن المعلوم أن الطريقة النقشبندية تقل فيها البدع وكثير من زعمائها مجاهدون لهم أيادٍ بيضاء في الجهاد، وكان منهم الإمام شامل في داغستان والشيشان.

وكان عدد من اجتمع حول الشيخ سعيد قرابة اثني عشر ألفاً.

بذل الشيخ سعيد جهوداً كبيرة في نشر العلم في مناطق الكرد، وكان مجلسه يضم العلماء والعبّاد والرجال الذين يرغبون في الجهاد، وكان لا يقبل من أحد أن يقبل يده أو ينحني له كما كان الناس يفعلون بالمشايخ آنذاك.

وكان للشيخ جولات استقطب فيها بعض العائلات الكردية، وشارك في جمعية "آزادي" وهي جمعية كردية جعلت من أهدافها نيل الأكراد حقوقهم.

وقد هم الشيخ رحمه الله تعالى أن يؤسس جامعة إسلامية في منطقة "وان" الكردية تكون على غرار جامعة الأزهر في القاهرة لكن بعض المشايخ الأكراد وقفوا ضد هذا المشروع فلم يكتب له الظهور.

وكان للشيخ صلات مع بعض المثقفين الأكراد في اسطنبول عن طريق ابنه علي رضا والشيخ عبد القادر أفندي نجل الشيخ عبيد الله النهري.

موجز تاريخي لمناطق الأكراد آنذاك:

في سنوات الحرب العالمية الأولى احتل الروس كثيراً من مناطق الأكراد، وتركوا الأرمن يعيثون في بعضها فساداً، وفي سنة 1917 انتصرت الثورة البلشفية في موسكو وانسحبت القوات الروسية من مناطق الأكراد وسلمتها إلى الميليشيات الأرمنية، فقام الأكراد بقتال الأرمن وإخراجهم من المنطقة الكردية، وفعلاً استطاعوا أن يخرجوا الأرمن، وفي سنة 1920 حرروا أرض الكرد وطهروها من الأرمن تماماً.

وفي شهر فبراير من سنة 1925 اجتمع أعضاء التنظيم من تركيا والعراق وسوريا في حلب، تم اتخاذ قرار انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً للثورة، ورئيساً لجمعية آزادي،

وعين المؤتمرون الجبهات الثورية وقياداتها على النحو التالي:

جبهة بالو بقيادة الشيخ شريف ومعه 18 ألف مقاتل. وجبهة فارتو بقيادة الضابط عبد الله ملكان وعلي رضا نجل الشيخ سعيد والعقيد خليل حتو ومعهم 12 ألف مقاتل.

وعلى هذا المنوال عينت جبهات القتال الأخرى في ديار بكر وباخر ومادن وبوتان وساسون إلى آخره

وقد حدث خطأ عقب هذا التوزيع نشأت بسببه الثورة مبكراً، أي أن الأكراد ثاروا قبل اكتمال استعدادهم، وسبب هذا أن الشيخ سعيد قام بجولة واسعة في مناطق الأكراد لتهيئتها للثورة، وكان معه مئات من مناصريه، وكانت الثورة قد خطط لها أن تبدأ في 21 مارس/ آذار سنة 1925، ووصل الشيخ إلى قريته بيران، وصادف قدومه دخول مفرزة من الجيش التركي لاعتقال بعض الشباب الأكراد، فطلب الشيخ سعيد من رئيس المفرزة -حسني أفندي- احترام وجوده وتأجيل اعتقال من يريد بعد أن يغادر الشيخ القرية فرفض رئيس المفرزة، فنشب صراع مسلح بين الطرفين أدى لمقتل بعض الجنود الأتراك وأسر القائد وبعض من معه، فظن بعض قادة الجبهات الكردية أن الشيخ سعيد بدأ الثورة فهاجموا قوات الدولة المنتشرة في مناطقهم، واندلعت الثورة في مناطق الأكراد بسرعة.

وسيطر الشيخ عبد الرحيم أخو الشيخ سعيد على محافظة "كينجو" التي أعلنت عاصمة مؤقتة للأكراد، وقام طاهر بيران أخو الشيخ سعيد أيضاً بالاستيلاء على البريد من ليجة إلى سردي، ووصل بمائتي مقاتل إلى كينجو وسلم للشيخ سعيد الوثائق والأموال، وبهذه الأحداث ابتدأت حركة الشيخ سعيد الثورية قبل أربعين يوماً تقريباً من الوقت المقرر لها، وتولى فقي حسن رئيس عشيرة مودان إدارة محافظة "كينجو"، وألغى الشيخ سعيد ضريبة العشر، وهذا جلب رضا السكان، وسُجن المحافظ والموظفون.

- عقد مجلس الوزراء التركي جلسة عاجلة في 22/2/1925 شارك فيها رئيس الأركان فوزي باشا، وأعلنت حالة الطوارئ في منطقة الانتفاضة.

- في 25/2/1925 عقد البرلمان التركي جلسة عدل فيها القانون رقم 556 الخاص بالعقوبات على خيانة الوطن ليصبح كالتالي: "منع إنشاء المنظمات السياسية على أسس دينية وكذلك استخدام الدين في سبيل تحقيق الأهداف السياسية، واعتبار الأشخاص القائمين بمثل هذه الأعمال أو المنتسبين إلى مثل هذه التنظيمات خونة" ، ولعل هذا القانون هو الأول في البلاد الإسلامية وهو السابق إلى تأسيس هذا الفهم الخاطئ ألا وهو فصل الدين عن السياسة.

- في 28/2/1925 أحرزت الثورة انتصارات، والتف حولها عشرون ألفاً تقريباً من المقاتلين، واستولت على ليجة وخاني، وارتبكت الحكومة التركية.

- في 2/مارس/آذار سنة 1925 استقالت حكومة فتحي بك وتولى عصمت إينونو رئاسة الوزراء، وأعلنت الحكومة تدابير جديدة لقمع انتفاضة الشيخ سعيد، وسن البرلمان قانوناً يسمح بإنشاء محكمتين إحداهما في أنقرة والأخرى في الولايات الشرقية -مناطق الأكراد- أما الأولى فصلاحيتها محدودة ولا بد من مصادقة البرلمان على أحكام الإعدام، أما الأخرى فصلاحياتها مطلقة.

- في 11/3/1925 أمر الشيخ سعيد بالهجوم على مدينة ديار بكر الحصينة من جميع الجهات لكن قوات الدولة المتفوقة عدداً وعدة أفشلت الهجوم فأصدر الشيخ سعيد أمره بالانسحاب.

- في 31/3/1925 هاجمت القوات الحكومية مناطق الانتفاضة وحصل تحول في موازين القوى ضعف على إثره الأكراد

- في 6/4/1925 تراجع الشيخ سعيد ومعه مئات من مقاتليه إلى صالحان.

- في 10/4 حوصرت قوات الانتفاضة في "كينجو" وحطمت وقبض على الشيخ سعيد وعدد من أتباعه.

- في 29/5 بدأت محاكمة الشيخ سعيد ورفاقه، واستغرقت شهراً كاملاً.

- في 29/6 صدر حكم بالإعدام شنقاً على الشيخ سعيد ورفاقه ونفذ في اليوم التالي في ساحة المسجد الكبير في ديار بكر، وفوق منصة الإعدام قال الشيخ سعيد: "إن الحياة الطبيعية تقترب من نهايتها، ولم آسف قط عندما أضحي بنفسي في سبيل الله، وإننا مسرورون لأن أحفادنا سوف لن يخجلوا منا أمام الأعداء".

عقب إخماد الثورة نكل الكماليون بالأكراد تنكيلاً فظيعاً استمر إلى سنة 1928.

جوانب مهمة في ثورة الشيخ سعيد رحمه الله تعالى:

- حاول الشيخ سعيد إقناع بديع الزمان سعيد النورسي الكردي المشهور بأن يثور معه لكن بديع الزمان رفض ورأى أن يخدم الإسلام على النحو الذي صنعه، ولكل منهما أجر اجتهاده إن شاء الله تعالى.

- يمكن أن يعد الشيخ سعيد أول شيخ في القرن الماضي يقود ثورة وينجح في إدارة أجزاء من بلاده برهة من الزمن، وحركته جديرة بالدراسة من قبل كل من يريد معرفة الحركات الثورية على الحكام الظلمة والكفرة في العصر الحديث وتأصيلاتها الشرعية وفقهها الحركي.

- لم تكن ثورة الشيخ سعيد لأجل القومية الكردية كما أشاع مصطفى كمال وأنصاره، إنما كانت لوجه الله تعالى، ويمكن أن بعض أنصاره ثاروا ثأراً لقوميتهم لكن هذا كان رد فعل متوقع في ظل السياسة القومية الطورانية الهوجاء التي كانت تدير بها حكومة أنقرة البلاد، لكن الشيخ سعيد كانت منطلقاته إسلامية محضة، ويدل على هذا ما ذكره الملا أبو بكر في موقع جريدة "الاتحاد" في شبكة المعلومات حيث قال ما ملخصه:

ظن بعض الناس أن الشيخ سعيد قاد الثورة من أجل حقوق الكرد القومية، وهو ما ادعته الحكومة الكمالية وأعلنته أثناء محاربة الشيخ، وهو نفس ما تدعيه بعض الحركات القومية الكردية إلى يومنا هذا إذ نسبوها إلى جمعية "آزادي" وجمعية "تعالي وترقية كردستان"، وهو أيضاً ما ركز عليه بعض المستشرقين في كتاباتهم التاريخية عن الثورة، إلا أن الوثائق التي ظهرت في السنين الأخيرة أثبتت إسلاميتها وقيامها لأجل إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وكانت الحكومة التركية تعد وثائق حركة الشيخ سعيد بيران إلى سنة 1977 وثائق سرية وتحظر الاطلاع عليها، وقد ظهرت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي دراسات ووثائق توضح حقيقة الثورة وأهدافها، وأن الشيخ أعلن الثورة باسم الله، واتخذ لها راية خضراء هي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل شعاراً لها: "لتحيا الخلافة ولتسقط الجمهورية"، وكان يتلقب بخادم المجاهدين.

وقد نشرت وثيقة سرية لمجلس الأمن التركي تبين أن ثورة الشيخ سعيد إسلامية، ومما جاء في وثائق محاكمات الشيخ سعيد أن القاضي عندما اتهمه بأن دوافعه قومية قال له: يشهد الله أن الثورة لم تكن من صنع السياسيين الكرد -القوميين- ولا بسبب تدخل الأجانب.

وقد سأله القاضي: هل تريد أن تصبح خليفة؟

فقال: إن وجود الخليفة ضمانة أساسية لتطبيق قواعد الدين، وإن المسألة مطلوبة شرعاً.

وسأله: هل كان إعلانكم للعصيان يعني أنكم وصلتم إلى قناعة تامة بأن الشريعة غير مطبقة في البلد؟

فأجابه: إن القرآن الكريم يؤكد على الخروج على الحاكم في الظروف التي أشرنا إليها أعلاه، وتطبيق الشريعة يعني منع الهَرْج والمرج: القتل والزنا وشرب الخمر إلخ … وبحمد الله كلنا مسلمون ولا يجب التمييز بين الكرد والترك، وحسب اعتقادنا أن هذه الأمور حالياً متروكة، إننا انطلقنا من هذه القناعة وعلى أساس القرآن الكريم.

واتُّهم الشيخ سعيد بأن الأجانب ساعدوه أي الإنجليز والفرنسيين، وقد تبين أن الإنجليز لم يساعدوه بل ساعدوا مصطفى كمال الذي قاتل الشيخ سعيد بمدافع الإنجليز، وتبين أن الدولة التركية طلبت من الفرنسيين المحتلين لسوريا أن يسمحوا بمرور 4 قطارات يومياً على الخط الحديدي "بغداد – حلب – اسطنبول" لنقل خمسة وعشرين ألف جندي تركي مع عتادهم إلى مناطق القتال.

-كانت الثورة في الجملة غير ناضجة، ولم يسبقها إعداد كاف ولا تربية جهادية واضحة لسائر الأكراد، وقد ذكرت أن الشيخ سعيد وجد نفسه في مواجهة الجنود قبل الموعد المخطط له بأربعين يوماً، كل هذه العوامل أدت إلى إجهاض مبكر للثورة ؛ لكن يكفي الشيخ أنه ثار لوجه الله تعالى، وترك تراثاً جهادياً ناصعاً يستمد منه المجاهدون إلى قيام الساعة معاني جليلة وقيماً عظيمة، ويكفيه أنه أول شيخ ثار في القرن الماضي أمام الحكومات الظالمة أو الكافرة بذلك تجربة مهمة تستضيء بها الأجيال.

كان الشيخ سعيد واعياً بمتطلبات زمانه، فاهماً لفقه الواقع، وهذا ما ميزه عن كثير من المشايخ الذين كانوا في غفلة، وكان مخلصاً وهذا ما ميزه عن بعض مشايخ السوء الذي باعوا دينهم بدنيا غيرهم، وكان يفهم الإسلام بشمول جامع بين النواحي الدينية والسياسية على وجه غير مسبوق إلا من قلة قليلة من المشايخ الذين جاؤوا في العصر الحديث وكان لهم محاولات إصلاحية، بينما كان كثير من المشايخ في عمى عن هذا الشمول في تناول القضايا الإسلامية والتعامل معها.

تلك كانت سيرة الشيخ المجاهد سعيد بيران الكردي، وأزعم أن سيرته بحاجة إلى دراسة شاملة وواسعة من قبل مؤرخي الإسلام عامة ومؤرخي الكرد خاصة فما هو موجود منها إنما هو شذرات قليلة لا توفي بحق هذا المجاهد العظيم الذي لم يصبر على إعلان الكفر في تركيا وتحويلها عن قبلتها الإسلامية وماضيها المجيد والله الموفق.(İLKHA)

تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع  الوكالة أو اشتراك مسبق.

متعلقات

مختارات المحرر

Mobil Uygulamamızı İndirin

الأكثر تفاعلا