الأمم المتحدة عند عتبة حرجة.. القانون الدولي يفقد تأثيره أمام منطق القوة
تدخل الأمم المتحدة عامها الحادي والثمانين في واحدة من أكثر مراحلها حرجًا، في ظل الحروب وتنافس القوى الكبرى والانتقادات المتزايدة بشأن التطبيق الانتقائي للقانون الدولي، ويبدو مستقبل المنظمة مرتبطًا ليس فقط بإصلاح مجلس الأمن، بل أيضًا بمدى التزام القوى الكبرى بالقواعد الدولية وتطبيقها بصورة متساوية على جميع الدول.
تأسست الأمم المتحدة عام 1945 بهدف منع الحروب وضمان الأمن الدولي من خلال قواعد مشتركة، إلا أن الأزمات الممتدة اليوم من أوكرانيا إلى غزة، ومن اليمن إلى السودان، وصولًا إلى الصراعات المحيطة بإيران، أعادت فتح النقاش حول هامش تحرك المنظمة في مواجهة مصالح القوى الكبرى.
وتتمثل المشكلة الأساسية، وفق هذا التحليل، ليس في افتقار الأمم المتحدة إلى القواعد الكافية، وإنما في عدم تطبيق هذه القواعد بالطريقة نفسها على جميع الدول.
ومع التعامل مع القانون الدولي وفق مقاربات سياسية تختلف من دولة إلى أخرى، تتراجع شرعية النظام العالمي وتتآكل ثقة الدول بالقواعد الدولية.
مجلس الأمن يُدار وفق موازين عام 1945
يأتي نظام مجلس الأمن الحالي في مقدمة المشكلات الهيكلية التي تواجه الأمم المتحدة.
وتتمتع الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، بحق النقض.
وعلى الرغم من أن العالم شهد خلال أكثر من 80 عامًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تغيرات كبيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والديموغرافية، فإن الهيكل الأساسي لمجلس الأمن ظل على حاله.
كما تتزايد الانتقادات الموجهة إلى قدرة المجلس على تمثيل العالم، في ظل عدم وجود دولة أفريقية بين الأعضاء الدائمين، وغياب تمثيل دائم لأمريكا اللاتينية، وعدم امتلاك العالم العربي مقعدًا دائمًا في المجلس.
ويُعد عدم انضمام الهند، التي تضم جزءًا كبيرًا من سكان العالم وتزداد ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا، إلى قائمة الأعضاء الدائمين، أحد أبرز المبررات المطروحة للمطالبة بإصلاح مجلس الأمن.
ولهذا السبب، لم يعد توسيع مجلس الأمن يُنظر إليه باعتباره مجرد مسألة إصلاح إداري، بل أصبح جزءًا من مشكلة التمثيل والشرعية التي يواجهها النظام الدولي.
حق النقض يعطل آلية اتخاذ القرارات
يُعد حق النقض من أكثر صلاحيات مجلس الأمن إثارة للجدل، إذ يمكن أن يحد من قدرة الأمم المتحدة على التحرك عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى مع مسؤولياتها المتعلقة بالأمن الدولي.
وفي حال كانت إحدى الدول دائمة العضوية طرفًا مباشرًا في نزاع أو داعمة لحليف لها، فإن قدرتها على استخدام حق النقض يمكن أن تؤدي إلى تعطيل عملية اتخاذ القرار داخل المجلس.
وقد جعلت أزمات السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها أوكرانيا وغزة، هذه المشكلة الهيكلية أكثر وضوحًا.
ومع ذلك، فإن اختزال الأمم المتحدة في مجلس الأمن وحده يعني تجاهل الدور الذي اضطلعت به المنظمة حتى اليوم.
فوكالات الأمم المتحدة تقدم المساعدات الإنسانية لملايين الأشخاص، كما أسهمت عمليات حفظ السلام في بعض المناطق في الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع تصاعد النزاعات.
وبالتالي، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الأمم المتحدة بقدر ما تتمثل في مدى سماح القوى الكبرى للمنظمة بتنفيذ قراراتها.
الجنوب العالمي يبحث عن بدائل
كما أن تزايد ثقل الدول النامية في السياسة العالمية يزيد الضغوط على النظام القائم؛ ففي الوقت الذي تعزز فيه الهند والبرازيل ودول الخليج والعديد من دول أفريقيا وآسيا نفوذها الاقتصادي والسياسي، تتزايد أيضًا أهمية منصات مثل مجموعة بريكس ومجموعة العشرين.
وترى هذه الدول أن المؤسسات الدولية القائمة لا تعكس بصورة كافية التوزيع الجديد للقوة في العالم.
وفي حال عدم إصلاح الأمم المتحدة، فمن غير المرجح أن تتجه الدول إلى مغادرة المنظمة بشكل كامل، وإنما قد تتجه إلى إدارة عمليات صنع القرار من خلال تحالفات مختلفة وتكتلات إقليمية واقتصادية.
وفي مثل هذه الحالة، قد يبقى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وتستمر اجتماعات الجمعية العامة والقمم الدولية في الانعقاد، لكن انتقال القرارات السياسية الفعلية إلى تحالفات ومراكز قوى مختلفة قد يؤدي إلى تحول تأثير المنظمة تدريجيًا إلى تأثير رمزي.
الإصلاح لا يقتصر على التغيير الهيكلي
ويُطرح من أجل جعل الأمم المتحدة أكثر تمثيلًا توسيع مجلس الأمن، وتحقيق تمثيل أكثر عدالة لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب إعادة النظر في آلية استخدام حق النقض، ولا سيما في حالات الجرائم الجماعية والانتهاكات الإنسانية الجسيمة.
لكن الإصلاح المؤسسي وحده قد لا يكون كافيًا، لأن المشكلة الأساسية في النظام الدولي، وفق هذا الطرح، تتمثل في تفسير القوى الكبرى للقواعد بما يتوافق مع مصالحها الخاصة.
فالدفاع بصورة حاسمة عن مبادئ سيادة الدول وحماية المدنيين خلال إحدى الأزمات، ثم تهميش هذه المبادئ في أزمة أخرى بسبب المصالح السياسية، يضعف الثقة بعالمية القانون الدولي.
ولهذا، فإن الاختبار الأساسي الذي تواجهه الأمم المتحدة لا يتمثل في إصدار مزيد من القرارات، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين القوة والقانون.
مستقبل الأمم المتحدة مرتبط بمستقبل القانون الدولي
لا تبدو احتمالية إنشاء منظمة عالمية جديدة تحل محل الأمم المتحدة بالكامل في المستقبل القريب مرتفعة، إذ يتطلب إنشاء مثل هذا الكيان توافقًا واسعًا بين القوى الكبرى، في وقت تبتعد فيه البيئة الدولية الحالية كثيرًا عن تحقيق مثل هذا التوافق.
ولهذا، تظل الأمم المتحدة، رغم نقاط ضعفها، مهمة بالنسبة إلى النظام الدولي. غير أن استمرار المنظمة بصورتها الحالية لا يعني بالضرورة استمرار نظام عالمي فعال.
وبعد 81 عامًا على تأسيس الأمم المتحدة، يتمثل السؤال الأساسي الذي تواجهه المنظمة ليس في قدرتها على عقد الاجتماعات وإصدار القرارات، وإنما في إمكانية إعادة تفعيل القانون الدولي بوصفه مجموعة من القواعد المشتركة التي تسري بصورة فعلية على جميع الدول.
وإلا فقد ينزلق العالم، بدلًا من الدخول في مرحلة تختفي فيها الأمم المتحدة تمامًا، إلى نظام جديد تستمر فيه المنظمة في أداء دورها، بينما تنتقل القرارات الحقيقية في السياسة الدولية تدريجيًا إلى مراكز قوى أخرى. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
دعا رئيس الوزراء النرويجي "يوناس غار ستوره" إلى الاستعداد لأي تهديدات محتملة من روسيا، مؤكدًا أهمية تحرك الحلفاء بشكل مشترك في مواجهة الضغوط والتحديات الأمنية.
جدد رئيس بلدية نيويورك "زهران ممداني" انتقاداته لرئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، مؤكدًا ضرورة تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
أعلنت وزارة الصحة بقطاع غزة، ارتفاع حصيلة ضحايا حرب الإبادة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني إلى "73 ألف و919 شهيداً" منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.