علي عزت بيغوفيتش.. سيرة قائد ومفكر كرّس حياته لاستقلال البوسنة
تحل الذكرى الثالثة والعشرون لوفاة "علي عزت بيغوفيتش"، أول رئيس للبوسنة والهرسك، الذي جمع بين القيادة السياسية والفكر الإسلامي، وارتبط اسمه بالنضال من أجل استقلال بلاده والدفاع عن حرية شعبه وكرامته.
ويستحضر البوسنيون، في 19تشرين الأول، ذكرى رحيل "علي عزت بيغوفيتش"، الذي عُرف بلقب الملك الحكيم، تقديراً لمسيرته التي جمعت بين العمل السياسي والتأمل الفكري والدفاع عن الهوية الإسلامية. ولا يزال إرثه حاضراً في النقاشات المتعلقة بالحرية والعدالة ومقاومة الظلم.
لم يكن "بيغوفيتش" مجرد رئيس قاد بلاده في مرحلة مضطربة، بل كان أيضاً مفكراً انشغل بمكانة الإسلام في العالم المعاصر، وبالعلاقة بين الإيمان والأخلاق والسياسة. وظل متمسكاً بقناعاته رغم الاعتقال والسجن والحرب، معبّراً عن ذلك بقوله إن الإسلام يمثل بالنسبة إليه كل ما هو جميل ونبيل في الحياة.
النشأة وبدايات التكوين الفكري
وُلد "علي عزت بيغوفيتش" في 8 آب 1925 في بلدة بوسانسكي شاماس بالبوسنة والهرسك، وحمل اسم جده الذي خدم ضابطاً في الجيش العثماني، وقضى سنوات طفولته وشبابه في العاصمة سراييفو، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيته الفكرية والدينية.
وكان لوالدته دور في تنشئته الروحية، إذ تأثر بسماع تلاوة القرآن الكريم، ولا سيما سورة الرحمن، في المسجد الذي كان يرتاده خلال صلوات الفجر، ورغم مروره بمرحلة من التردد الفكري في سن الخامسة عشرة تحت تأثير الدعاية الشيوعية، عاد في السابعة عشرة إلى الإيمان عن قناعة شخصية، لا لمجرد وراثة المعتقدات الأسرية.
اتجه منذ شبابه إلى القراءة الواسعة، واطلع في سن مبكرة على مؤلفات فلسفية وفكرية بارزة، منها أعمال هنري برغسون وإيمانويل كانط وأوزفالد شبنغلر. وأسهم هذا الاهتمام في بناء رؤيته التي حاول من خلالها فهم العلاقة بين الحضارة الغربية والفكر الإسلامي.
وفي مطلع أربعينيات القرن الماضي، انضم إلى منظمة الشباب المسلم، التي استلهمت الإسلام في توجهاتها، وأدى نشاطه فيها إلى اعتقاله عام 1946 في ظل حكم جوزيف بروز تيتو، حيث أمضى ثلاث سنوات في السجن، وبعد أن درس الزراعة ثلاث سنوات، انتقل إلى دراسة القانون، وتخرج عام 1956.
السجن ومؤلفاته الفكرية
شكّل كتابه "الإعلان الإسلامي"، الصادر عام 1970، محطة بارزة في مسيرته الفكرية، إذ تناول قضايا العالم الإسلامي ومشكلاته، وأصبح لاحقاً أحد أسباب محاكمته في قضية سراييفو عام 1983. كما نشر كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" عام 1984، ساعياً إلى بحث موقع الإسلام في الفكر الحديث وعلاقته بالتيارات الحضارية المختلفة.
وفي 23 آذار 1983، اعتُقل للمرة الثانية مع عدد من رفاقه، ووجهت إليهم اتهامات بالسعي إلى إقامة دولة إسلامية. وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 14 عاماً، قبل أن تُخفّض العقوبة لاحقاً، لينتهي احتجازه في 25 تشرين الثاني 1988 بعد قضائه خمس سنوات وثمانية أشهر.
وخلال سجنه، واصل القراءة وتدوين الملاحظات، كما استمع إلى تجارب السجناء وقصصهم، وهو ما أتاح له التعرف إلى جوانب متعددة من الحياة الإنسانية. وجُمعت بعض كتاباته وتأملاته في مؤلف نُشر عام 1999 بعنوان "هروبي إلى الحرية".
من العمل السياسي إلى قيادة البوسنة في الحرب
بعد خروجه من السجن، تابع "بيغوفيتش" نشاطه السياسي في مرحلة كانت فيها يوغوسلافيا تتجه نحو التفكك، فيما كان المسلمون في المنطقة يواجهون تحديات تتعلق بالتمثيل السياسي ومستقبل هويتهم، وفي تشرين الثاني 1989، أسس مع عدد من رفاقه حزب العمل الديمقراطي، بهدف دعم الانتقال إلى نظام ديمقراطي.
حقق الحزب فوزاً في الانتخابات التي أُجريت في تشرين الثاني 1990، ثم اتجهت البوسنة والهرسك نحو الاستقلال عقب إعلان سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما، وبعد الاستفتاء الشعبي، أُعلنت البوسنة والهرسك دولة مستقلة، وتولى "بيغوفيتش" رئاسة البلاد وقيادة الجهود السياسية والعسكرية خلال الحرب التي اندلعت بين عامي 1992 و1995.
واجه البوسنيون خلال الحرب عمليات قتل وتهجير ومجازر واسعة، كان من أبرزها ما شهدته سربرنيتسا. وفي خضم المواجهات، عمل "بيغوفيتش" على تنظيم الدفاع عن البلاد، إلى جانب خوض المفاوضات الدبلوماسية، في مواجهة القوات الصربية التي امتلكت تفوقاً عسكرياً كبيراً.
ومع استمرار الحرب، قبل في تشرين الثاني 1995 الدخول في مفاوضات انتهت باتفاق دايتون، الذي وُقّع في 21 تشرين الثاني من العام نفسه، في مسعى لوقف القتال والحد من الخسائر البشرية، واستمر في منصبه حتى عام 2000، حين تنحى عن الرئاسة لأسباب صحية.
الرحيل وإرث الحرية
عاش "بيغوفيتش" السنوات الأخيرة من حياته بعيداً عن مظاهر السلطة، في حياة متواضعة مع أسرته، حتى وفاته في 19 تشرين الأول 2003 عن عمر ناهز 78 عاماً، وشيّعته حشود كبيرة إلى مقبرة كوفاتشي للشهداء في سراييفو، حيث كُتبت على قبره عبارته الشهيرة: "أقسم أننا لن نكون عبيداً".
ولا يقتصر حضوره في الذاكرة على دوره رئيساً وقائداً خلال الحرب، بل يمتد إلى مؤلفاته وأفكاره التي تناولت قضايا الهوية والحرية والنهضة الإسلامية. وكان يرى أن تقدم المجتمعات الإسلامية يتطلب بناء الإنسان فكرياً وأخلاقياً، ثم تحويل المعرفة إلى عمل وممارسة، مع الحفاظ على التوازن في التعامل مع الحضارة الغربية، بعيداً عن رفضها الكامل أو تبنيها دون تمييز.
كما شدد على أهمية الجمع بين الكفاءة والنزاهة، معتبراً أن الصدق قيمة أساسية في القيادة، وأن بناء المجتمع لا يبدأ بالاستيلاء على السلطة، بل بكسب الناس وإعدادهم. وكان يحذر من أن الوصول إلى الحكم دون إعداد أخلاقي وفكري ومؤسسي قد يحوّل التغيير المنشود إلى انقلاب أو شكل من أشكال الاستبداد.
وفي رؤيته للتعليم، رفض تربية الأجيال على الطاعة وحدها، ودعا إلى إعداد شباب يمتلكون الشجاعة والقدرة على مواجهة الظلم والدفاع عن الحقوق. ورأى أن نهضة المسلمين تحتاج إلى عقول تنتج الأفكار وإرادات قادرة على ترجمتها إلى واقع.
الإسلام بين الإيمان والأخلاق والنظام
عبّر "بيغوفيتش" عن رؤيته للإسلام باعتباره منظومة تتجاوز الشعائر الدينية إلى الأخلاق وتنظيم الحياة الاجتماعية، مؤكداً أن المجتمع يحتاج إلى أسس فكرية وتربوية راسخة حتى يتمكن من بناء مؤسساته السياسية على نحو متوازن.
وفي معرض حديثه عن الاتهامات التي لاحقته بشأن السعي إلى إقامة دولة إسلامية، أوضح أن هدفه لم يكن إقامة جمهورية إسلامية بالمعنى الذي صوّره خصومه، بل الحفاظ على حضور الإسلام في المنطقة وضمان قدرة المسلمين على العيش بحرية وكرامة داخل دولتهم.
كما رأى أن العمل السياسي المنظم وسيلة للوصول إلى الناس عبر الطرق الديمقراطية، وأن أي نظام يتأثر بطبيعة الأشخاص الذين يديرونه وقيمهم وممارساتهم. وكان يربط بين بناء المجتمع والسلطة، محذراً من السعي إلى الحكم قبل تهيئة المجتمع فكرياً وأخلاقياً، ومن الاعتماد على التمرد المسلح بدلاً من المقاومة المدنية.
وبقي "علي عزت بيغوفيتش" شخصية تجمع بين أدوار المفكر والقائد السياسي ورمز المقاومة البوسنية، فيما يستمر إرثه في إثارة النقاش حول الإسلام والحداثة، والحرية والمسؤولية، ودور الفكر في بناء المجتمعات. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن الولايات المتحدة استأنفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، بعد توقف قصير، بهدف مساعدتها على التصدي للهجمات الصاروخية الروسية، معربًا عن امتنانه لاستئناف التعاون.
يثير مشروع "سوفا 53" مخاوف من ترسيخ الوجود العسكري للاحتلال الصهيوني في المنطقة العازلة بريف القنيطرة جنوبي سوريا، عبر شق طرق عسكرية وإقامة سواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة، وسط أضرار تطال الأراضي الزراعية والمراعي والغطاء النباتي.
تبرع طلاب جامعة باتمان التركية بكامل عائدات بازار خيري نظموه بمناسبة ذكرى معركة طوفان الأقصى، لصالح وقف قافلة الأمل، بهدف إيصال المساعدات إلى المحتاجين في قطاع غزة.