ما هي حدود الاحتلال الصهيوني في تكنولوجيا الزراعة؟
برز الاحتلال الصهيوني في تقنيات الري وإدارة المياه والبحث الزراعي، بينما تتركز الحصة الأكبر من سوق البذور والمبيدات عالمياً في أيدي شركات متعددة الجنسيات، ما يثير تساؤلات بشأن استقلالية المزارعين ومستقبل الأمن الغذائي.
وأعادت هيمنة عدد محدود من الشركات العالمية على قطاعات البذور والمبيدات والأسمدة والتقنيات الحيوية فتح النقاش حول مستقبل الإنتاج الغذائي، ومدى قدرة المزارعين على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن المحاصيل وأساليب الزراعة، فضلاً عن ضمان وصول المستهلكين إلى غذاء آمن.
ويحتل الاحتلال الصهيوني موقعاً بارزاً في مجالات الري بالتنقيط وإدارة الموارد المائية والبحث والتطوير الزراعي والتقنيات الحيوية النباتية. غير أن التفوق في بعض التقنيات لا يعني بالضرورة السيطرة على السوق العالمية، التي تهيمن عليها شركات كبرى ترتبط في معظمها بدول مثل ألمانيا والولايات المتحدة والصين.
وتتطلب معرفة الوزن الحقيقي للاحتلال في هذا القطاع دراسة ملكية الشركات، ومحافظ براءات الاختراع، وحجم الصادرات، وحصص السوق في المجالات المختلفة، بدلاً من الاكتفاء بحجم الابتكار التقني.
هيمنة الشركات الكبرى على سوق البذور والمبيدات
أظهر تقرير نشرته مجموعتا ETC Group وGRAIN في حزيران 2025 مدى تركز القوة الاقتصادية في القطاع الزراعي العالمي. ووفقاً للتقرير، تستحوذ شركات باير الألمانية، وكورتيفا الأمريكية، وسينجينتا المرتبطة بالصين وسويسرا، وباسف الألمانية، على 56% من سوق البذور التجارية عالمياً، و61% من سوق المبيدات الزراعية.
كما أشارت مراجعة صادرة عن المجموعتين في تموز 2026 إلى استمرار التركز في هذه الأسواق، موضحة أن أكبر عشر شركات تستحوذ على 78% من سوق المبيدات، وأن خمسة قطاعات من أصل ستة في المجال الزراعي تتسم ببنية احتكارية قلة الشركات.
وتثير هذه الهيمنة مخاوف من تضييق الخيارات المتاحة أمام المزارعين، إذ يمكن أن تتأثر قراراتهم بشأن البذور والمواد الكيميائية وأساليب الإنتاج بالمنتجات التي تطورها مجموعة محدودة من الشركات. كما تستدعي الاستثمارات في منصات الزراعة الرقمية والذكاء الاصطناعي دراسة آثارها الاقتصادية على المنتجين.
ولا يقتصر تأثير التكنولوجيا الزراعية على البذور والمبيدات، بل يشمل معدات الري، وأنظمة معالجة المياه، وأجهزة الاستشعار، والبرمجيات المستخدمة في تحليل البيانات الزراعية، وتقنيات تطوير النباتات. ويمكن لهذه المجالات أن تؤثر في تكاليف الإنتاج ومدى اعتماد المزارعين على مزودي التكنولوجيا.
وماذا يفعل الاحتلال الصهيوني بالمحاصيل المعدلة وراثياً؟
يتطلب تقييم أنشطة الاحتلال الصهيوني في الهندسة الوراثية التمييز بين زراعة المحاصيل المعدلة وراثياً لأغراض تجارية، واستيراد المنتجات المعدلة أو استخدامها في الغذاء والأعلاف.
ووفقاً لتقرير أعدته دائرة الخدمات الزراعية الخارجية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية، ويتناول الوضع حتى تشرين الأول 2024، فإن زراعة النباتات المعدلة وراثياً لأغراض تجارية مسموح بها من حيث المبدأ في ظل الأطر التنظيمية المعمول بها. كما يمكن استيراد منتجات زراعية معدلة وراثياً وبعض مكوناتها واستخدامها في إنتاج الغذاء والأعلاف.
لكن هذه المعلومات لا تكفي لإثبات أن الاحتلال الصهيوني يسيطر على سوق البذور المعدلة وراثياً عالمياً، أو أن معظم إنتاجه الزراعي يعتمد على بذور معدلة وراثياً. فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى بيانات موثقة عن حجم الزراعة، وأنواع المحاصيل، وحصة البذور المعدلة من إجمالي الإنتاج.
وتشمل الأبحاث في مجال الهندسة الوراثية تطوير نباتات بصفات تستهدف تعزيز مقاومتها للآفات والأمراض أو تحسين قدرتها على تحمل الظروف البيئية. غير أن تقييم هذه التقنيات يتطلب معرفة طبيعة التعديل المستخدم وخصائص المنتج النهائي، إلى جانب مدى وضوح المعلومات المقدمة للمستهلكين والجهات الرقابية.
الأغذية المعدلة وراثياً وآثارها الصحية
تُعد الآثار المحتملة للأغذية المعدلة وراثياً على صحة الإنسان من القضايا التي تتطلب تقييماً علمياً دقيقاً، مع التمييز بين المخاطر التي تستحق الفحص والأضرار التي ثبت وقوعها.
وخلص تقرير شامل للأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، صدر عام 2016، إلى أن الأدلة العلمية التي راجعها لم تثبت آثاراً صحية ضارة لدى البشر نتيجة استهلاك الأغذية المنتجة باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية التي تناولها التقرير، لكنه أشار أيضاً إلى إمكانية حدوث تغيرات غير متوقعة في تركيب بعض المنتجات، مؤكداً ضرورة تقييم كل منتج وفق خصائصه.
وتشمل المسائل التي تستحق الفحص احتمال أن يكون البروتين الجديد المضاف إلى النبات مسبباً للحساسية، والتغيرات المحتملة في القيمة الغذائية، وبقايا المواد الكيميائية الزراعية، وقدرة الكائنات الضارة على تطوير مقاومة لوسائل المكافحة المستخدمة.
وتبرز مشكلة الأعشاب الضارة المقاومة للمبيدات في بعض الأنظمة الزراعية التي تعتمد على محاصيل تتحمل مبيدات أعشاب محددة. إذ إن تكرار استخدام المواد الكيميائية نفسها لفترات طويلة قد يسهم في ظهور مقاومة، ما يزيد صعوبة المكافحة ويطرح تحديات أمام استدامة الإنتاج الزراعي.
الغليفوسات ومسؤولية الشركات الزراعية
تتركز بعض الانتقادات الموجهة إلى الشركات الزراعية الكبرى على العلاقة التجارية بين البذور المعدلة وراثياً والمواد الكيميائية المستخدمة معها.
وكان استحواذ شركة باير الألمانية على مونسانتو عام 2018 من أبرز عمليات الدمج بين شركات البذور والمبيدات. ولا تزال مبيدات الأعشاب القائمة على مادة الغليفوسات، المرتبطة بعلامة راوند أب التجارية التابعة لمونسانتو، محور نزاعات قضائية في الولايات المتحدة بشأن ادعاءات تتعلق بالتسبب في السرطان.
وأشار تقرير لمجموعة ETC Group صدر عام 2025 إلى الأعباء المالية والتعويضات والنزاعات القانونية التي تواجهها باير في هذا الملف.
ويثير الجمع بين بيع البذور والصفات الوراثية والمبيدات تساؤلات حول قدرة المزارعين على الانتقال إلى بدائل أخرى. فتكلفة الإنتاج لا تتوقف عند ثمن البذور، بل قد تشمل المواد التي توصي الشركة باستخدامها معها، وشروط التراخيص، والالتزامات الواردة في العقود الزراعية.
براءات الاختراع وتأثيرها في استقلالية المزارعين
تتيح براءات الاختراع للشركات حماية ابتكاراتها وتحقيق عائد من استثماراتها البحثية، لكنها قد تؤثر أيضاً في قدرة المزارعين على الاحتفاظ بالبذور وإعادة زراعتها أو إكثارها، تبعاً للقوانين وشروط الترخيص المعمول بها.
ولا يقتصر التركز الاقتصادي على مبيعات البذور وحدها. فقد أظهرت دراسات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المنافسة قد تكون محدودة للغاية في بعض الأسواق والمنتجات، وأن التركّز في سوق الصفات المعدلة وراثياً قد يتجاوز أحياناً مستوى التركّز في سوق البذور عموماً.
وعندما تجتمع براءات الاختراع والأسرار التجارية واتفاقيات الترخيص وعمليات الاستحواذ، يمكن أن تتقلص الخيارات المتاحة أمام المزارعين، ويزداد اعتمادهم على الشركات المالكة للتقنيات والمواد المستخدمة في الإنتاج.
التنوع البيولوجي والأمن الغذائي
قد يؤدي انتشار عدد محدود من الأصناف التجارية على نطاق واسع إلى تقليص التنوع البيولوجي، خصوصاً عندما يعتمد الإنتاج على نباتات متشابهة في خصائصها الوراثية. ويمكن لهذا التشابه أن يزيد هشاشة المحاصيل أمام بعض الأمراض أو الظروف المناخية، بما قد يرفع حجم الخسائر عند وقوع الأزمات.
وفي المقابل، يمكن للهندسة الوراثية وطرق التحسين النباتي التقليدية أن تسهما في تطوير أصناف أكثر مقاومة للأمراض أو قدرة على التكيف مع الظروف البيئية. ولذلك لا يتعلق النقاش بمجرد قبول التكنولوجيا أو رفضها، بل بمن يملك الأصناف المطورة، وكيفية حماية الموارد الوراثية، ومدى توافر بدائل للمزارعين.
كما أن الأمن الغذائي لا يتحقق بزيادة الإنتاج وحدها، بل يرتبط أيضاً بتنوع البذور، وحماية التربة، واستدامة استخدام المياه، ودخل المزارعين، وقدرة المستهلكين على شراء الغذاء.
تقنيات المياه ودور الاحتلال الصهيوني
تمثل تقنيات المياه أحد أبرز مجالات حضور الاحتلال الصهيوني في القطاع الزراعي. فالري بالتنقيط وأنظمة الري الدقيق تسمح بإيصال المياه إلى منطقة جذور النبات، ويمكنها في ظروف مناسبة أن تقلل الاستهلاك وتحسن كفاءة استخدام الموارد.
لكن وجود تقنية موفرة للمياه لا يعني بالضرورة أن توزيع الموارد المائية أصبح أكثر عدالة، أو أن الاستهلاك الإجمالي سينخفض في جميع الحالات، فقد تؤدي زيادة الكفاءة إلى توسيع المساحات المزروعة، بما يحد من التوفير المتوقع في إجمالي المياه المستخدمة.
ولهذا، ينبغي عند تقييم دور الاحتلال الصهيوني في سوق تقنيات المياه النظر إلى حجم التوفير الفعلي، وتكاليف شراء الأنظمة وصيانتها، وشروط براءات الاختراع والتراخيص، وإمكانات التصنيع المحلي، وتأثير هذه التقنيات في الوصول إلى المياه.
وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في الدول التي تعاني شحاً مائياً، حيث تتداخل قوة الشركات المزودة للتكنولوجيا مع السياسات العامة لإدارة الموارد وتوزيعها.
مستقبل الغذاء بين الابتكار والشفافية والمنافسة
يعكس تركز الشركات في القطاع الزراعي العالمي تحدياً اقتصادياً يتجاوز دور الاحتلال الصهيوني في التكنولوجيا الزراعية، فاجتماع البذور والمبيدات والأسمدة والآلات والأنظمة الرقمية في أيدي عدد محدود من الشركات قد يزيد تأثر سلاسل الإمداد بأي اضطرابات، كما يمكن أن يوسع اعتماد المزارعين على المنصات التقنية التي تدير بيانات الإنتاج وعملياته.
وتبرز في هذا السياق أهمية إخضاع عمليات اندماج الشركات وممارسات براءات الاختراع للرقابة، ودعم الأبحاث العلمية المستقلة، وحماية تنوع البذور، وتيسير وصول المنتجين إلى مدخلات وبدائل متعددة.
فالسؤال الأساسي لا يتعلق بالابتكار التقني وحده، بل بكيفية توزيع فوائده وتكاليفه، والجهات التي تملك القدرة على التحكم فيه. ومع اتساع استخدام التقنيات الحديثة، يبقى التحدي هو ضمان قدرة المزارعين على اختيار بذورهم وتحديد أساليب إنتاجهم والحفاظ على استقلالهم الاقتصادي. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن سلطات الاحتلال طرحت، خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عطاءين لبناء 1080 وحدة استيطانية في القدس المحتلة ومحيطها الشرقي، في خطوة تهدف إلى توسيع المستوطنات وتعزيز الوجود الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، وتقليص المساحة الجغرافية المتاحة أمام الفلسطينيين.
أثارت التوجهات المحتملة لتعديل قانون الانتخابات في الأردن مخاوف من تقليص حضور التيار الإسلامي في البرلمان والتراجع عن مسار التحديث السياسي، وسط جدل حول إمكانية العودة إلى نظام الصوت الواحد.
بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، إلى جانب القضايا المتعلقة بالأمن الإقليمي.
أعلنت وزارة الدفاع الروسية سيطرة قواتها على بلدة أوميلنيك في مقاطعة زابورجيا، خلال المعارك المستمرة في أوكرانيا، مشيرة إلى أن الجيش الأوكراني خسر 1235 جنديًا و22 آلية قتالية مدرعة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.