عصام دربالة كما عرفته.. قائدٌ قلَّ أن يجود الزمان بمثله
أحيا الكاتب والمحلل السياسي إسلام الغمري في مقال له الذكرى الحادية عشرة لرحيل الدكتور عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، مستذكرًا مسيرته القيادية والفكرية والتربوية، ومشيدًا بما وصفه بخصاله الاستثنائية وثباته وقدرته على تحمل المسؤولية والمراجعة الفكرية خلال مراحل مختلفة من حياته.
وجاء في مقال للأستاذ "إسلام الغمري" نائب رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية، مايلي:
"رثى الكاتب والمحلل السياسي إسلام الغمري خلال مقالته الدورية الدكتور عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية،
تمر اليوم الذكرى الحادية عشرة لرحيل الدكتور عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، وأجدني كلما مرت ذكراه أعود إلى الرجل نفسه، لا إلى الخبر الذي انتهت به حياته.
فأنا لم أعرف الدكتور دربالة من كتاب، ولم أقرأ عنه من بعيد، ولم تتشكل صورته عندي بعد رحيله.
لقد عاصرته وعايشته، وعرفته قائدًا ومربيًا ومفكرًا، ورأيته في أوقات الرخاء والشدة، وفي لحظات تكشف الرجال على حقيقتهم؛ ولهذا أقولها اليوم كما كنت أقولها لو كان بيننا:
كان الدكتور عصام دربالة قائدًا فذًّا، قلَّ أن يجود الزمان بمثله.
وأعرف أن هذه شهادة كبيرة.
لكنني لا أكتبها تحت تأثير لحظة وفاء لرجل رحل، ولا لأن الموت يدفعنا أحيانًا إلى المبالغة في مناقب من نحب.
مرت أحد عشر عامًا كاملة. وهي مدة كافية لأن تهدأ العاطفة، وتسقط التفاصيل الصغيرة، ويبقى ما يستحق البقاء.
والدكتور دربالة، كما عرفته، لم يكن مجرد مسؤول تنظيمي وصل إلى رئاسة مجلس شورى الجماعة الإسلامية.
كان أكبر من الموقع.
هناك أشخاص تصنعهم المناصب، فإذا غادروها اختفوا. وهناك أشخاص يعطون المنصب من شخصيتهم، ويبقى أثرهم بعد أن يغادروه.
وكان أبو الحسن من النوع الثاني.
كان قائدًا بالفطرة.
وللقيادة عنده معنى مختلف عن ذلك الذي نراه كثيرًا في حياتنا العامة. لم تكن صخبًا، ولا رغبة في الظهور، ولا قدرة على إصدار الأوامر. كانت مسؤولية قبل أن تكون سلطة، وقدرة على تحمّل الثمن قبل مطالبة الآخرين بدفعه.
وهذه من أكثر الصفات التي بقيت في ذاكرتي عنه.
كان الرجل يتحمل.
يتحمل مسؤولية موقفه، ويتحمل تبعات قراره، ولا يبحث عند اشتداد الأزمة عن شخص آخر يضع فوق كتفيه ما ينبغي أن يحمله هو.
وهنا، في رأيي، يبدأ الفرق بين المسؤول والقائد.
المسؤول يستطيع أن يدير مؤسسة.
أما القائد، فيستطيع أن يحمل الرجال عندما تضيق بهم الطريق.
والدكتور دربالة كان قائدًا.
لكنه لم يكن قائدًا فقط.
كان مربيًا.
وهذه ربما تكون واحدة من أهم صفاته التي لا يعرفها عنه من لم يعايشه عن قرب.
فالتربية ليست محاضرة يلقيها الإنسان، ولا كلمات جميلة عن الأخلاق والمبادئ. المربي الحقيقي هو من تتعلم منه وأنت تراقبه؛ من طريقته في التعامل، ومن ثباته عندما يضطرب الآخرون، ومن قدرته على أن يجعل من حوله أفضل من دون أن يشعرهم بأنه يمارس عليهم دور الأستاذ.
كان يستطيع أن يختلف معك، وأن يناقشك، وأن يتمسك برأيه، لكنك كنت تخرج من الحوار وقد بقي في نفسك شيء يتجاوز موضوع النقاش نفسه.
أثر.
وهذا هو المربي.
ثم كان مفكرًا.
ولست أستخدم الكلمة هنا باعتبارها لقبًا من ألقاب الثناء التي نوزعها بعد وفاة الرجال.
كان الدكتور دربالة يمتلك عقلًا حاضرًا، وقدرة على قراءة الواقع وربط الموقف السياسي بأصوله الفكرية، والنظر إلى ما وراء اللحظة المباشرة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون في قلب واحدة من أهم التحولات التي عرفتها الجماعة الإسلامية في تاريخها.
لقد عاش مرحلة المواجهة والصدام، ودفع من عمره سنوات طويلة خلف القضبان، ثم كان من أبرز رجال المراجعات والانتقال من المواجهة المسلحة إلى نبذ العنف والعمل في المجال العام.
وأرى أن هذه تجربة تستحق أن تُقرأ بإنصاف.
فالإنسان الذي يراجع تجربة عاشها ودفع من عمره ثمنًا لها ليس إنسانًا ضعيفًا.
على العكس.
ربما يكون الاعتراف بأن طريقًا يحتاج إلى المراجعة أصعب على النفس من الاستمرار فيه.
ومن أسهل الأشياء أن يبقى الإنسان أسيرًا لتاريخه، يدافع عنه حتى النهاية؛ لأن الاعتراف بالخطأ ثقيل على النفس. أما أن يعيد النظر، ويفكر، ويغيّر، ويتحمل تبعات التغيير، فهذه شجاعة من نوع آخر.
وكان أبو الحسن يمتلكها.
ولهذا، عندما أقول إنه كان مفكرًا، فإنني لا أتحدث فقط عن ثقافته أو كتاباته أو قدرته على التنظير، وإنما عن عقل ظل يعمل حتى وسط المحن.
وكان، فوق ذلك كله، قدوة.
والقدوة كلمة أثقل من القيادة.
تستطيع أن تعجب بعقل إنسان ولا تتمنى أن تكون مثله. وقد تحترم مهارة قائد ولا تقبل طريقته في الحياة.
أما الدكتور دربالة، فقد كان من الرجال الذين تتمنى أن تأخذ منهم شيئًا لنفسك.
شيئًا من ثباته.
شيئًا من تحمله.
شيئًا من زهده في الأضواء.
شيئًا من قدرته على تقديم الفكرة على الشخص.
وشيئًا من ذلك الاستعداد لأن يدفع هو ثمن ما يؤمن به، لا أن يدفع الآخرين أمامه ثم يبقى بعيدًا عن النار.
ولهذا لم تكن مكانته في النفوس مرتبطة بمنصب.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي قائد.
أزل اللقب، وأبعد الكرسي، واسحب السلطة، ثم انظر: هل يبقى للرجل تأثيره؟
مع الدكتور دربالة، كان الجواب عندي واضحًا.
نعم.
بل إن المحنة أظهرت من شخصيته أكثر مما أظهرته المواقع.
فالقيادة الحقيقية لا تُختبر عندما يكون الطريق مفتوحًا، والناس حولك، والأبواب تستجيب لك.
تُختبر عندما يُغلق الباب.
عندما تصبح الكلمة مكلفة.
عندما يعرف الرجل أن موقفه قد يأخذ منه حريته وراحته، وربما حياته، ثم لا يغيّر جلده لينجو.
هناك تظهر حقيقة الرجال.
والدكتور عصام دربالة عرف السجن طويلًا، ثم خرج منه وعاد إلى الحياة والعمل العام، ثم دارت الأيام فعاد إلى السجن مرة أخرى.
وفي التاسع من أغسطس/آب 2015 رحل وهو في محبسه.
ولا أريد أن أحول ذكرى الرجل إلى تحقيق في ظروف وفاته؛ فهذا ليس موضوع هذه الكلمات.
لكنني أيضًا لا أستطيع أن أمر على الأمر وكأن الرواية الرسمية حسمت كل شيء. قيل إن وفاته جاءت بعد تدهور حالته الصحية، بينما تحدث بعض من شاهدوا جثمانه عن آثار ضرب وكدمات، وكانت هناك اتهامات بحرمانه من الرعاية والعلاج. وأنا شخصيًا لم أطمئن إلى الرواية الرسمية، في ظل غياب الشفافية والتحقيق المستقل الذي كان يمكن أن يضع حدًا لهذه الأسئلة.
وهذا يكفي هنا.
لأنني لا أريد أن تكون آخر صورة لأبي الحسن في هذه الكلمات صورة رجل مريض في محبسه، أو جثمان خرج من السجن.
فهذه ليست صورة الدكتور دربالة التي أعرفها.
صورته عندي رجل واقف.
قائد يفكر.
ومربٍّ يعلّم بسلوكه قبل كلامه.
ومفكر لا يخشى المراجعة عندما يرى أنها واجبة.
ورجل يتحمل نتيجة ما يعتقد أنه الحق.
ولهذا، وبعد أحد عشر عامًا من رحيله، أجد أن بعض الرجال يكبرون في الذاكرة بدل أن يصغروا.
تسقط التفاصيل الصغيرة.
تُنسى خلافات الأيام.
تبهت الأحداث التي كانت تبدو وقتها ضخمة.
ويبقى معدن الرجل.
وهذا ما بقي عندي من الدكتور عصام دربالة:
معدن نادر.
لقد عاصرت خلال عقود طويلة كثيرًا من العاملين في الحركة الإسلامية، ورأيت قيادات، واستمعت إلى مفكرين، وتعاملت مع رجال حملوا مواقع ومسؤوليات مختلفة.
ولذلك لا أقول ما سأقوله بسهولة.
في تقديري، كان الدكتور عصام دربالة واحدًا من القادة القلائل في تاريخ الحركة الإسلامية المصرية خلال العقود الأخيرة الذين اجتمعت فيهم صفات يصعب أن تجتمع في رجل واحد: عقل المفكر، وحكمة المربي، وصلابة القائد، واستعداد صاحب المبدأ لتحمل الثمن.
وأحسب أن سر تميزه لم يكن في امتلاكه واحدة من هذه الصفات، وإنما في اجتماعها فيه.
فكم من مفكر يحسن التنظير، لكنه يتراجع أمام الاختبار.
وكم من قائد يستطيع إدارة الرجال، لكنه لا يستطيع تربيتهم.
وكم من مربٍّ صالح لا يمتلك عقل القائد عندما تأتي اللحظات الكبرى التي تحتاج إلى قرار.
أما الدكتور دربالة فقد اجتمع فيه، في تقديري ومعايشتي له، شيء من هذا كله:
القائد، والمربي، والمفكر، والقدوة.
وربما لهذا كان تأثيره أكبر من منصبه.
لقد كان بالنسبة لكثير ممن عرفوه قدوة ومثلًا أعلى، لا لأننا اعتقدنا يومًا أنه رجل لا يخطئ؛ فهذه منزلة لا ندعيها لبشر.
ولكن لأننا رأينا فيه نموذجًا نادرًا لرجل يحاول أن يعيش ما يؤمن به.
وهذه مسافة شاسعة بين نوعين من الرجال.
بين من يتحدث عن المبادئ…
ومن يدفع ثمنها.
وبين من يعلم الناس الصبر…
ومن تراه صابرًا عندما تأتيه المحنة.
وبين من يحدثك عن الثبات…
ومن تختبره الأيام، فلا تجد مسافة كبيرة بين كلامه وموقفه.
ولهذا أحبه الناس.
ولهذا بقي أثره.
فالإنسان لا يبقى في قلوب الرجال بكثرة ما قال، ولا بعدد المناصب التي حملها.
يبقى بما تركه فيهم.
وأنا حين أكتب هذه الكلمات اليوم لا أريد أن أصنع من الدكتور دربالة أسطورة.
لا يحتاج الرجل إلى ذلك.
ولا أدعي أن شهادتي فيه هي الكلمة الأخيرة، أو أن القرب يمنحني حق احتكار صورته.
إنها ببساطة شهادة رجل عاصر الرجل، وعاش قريبًا منه، ورأى منه ما يوجب عليه ألا يصمت في ذكرى رحيله.
لقد عرفته.
وعاصرته.
وعايشته.
ورأيته قائدًا ومربيًا ومفكرًا وقدوة.
ورأيت فيه من الصفات ما يجعلني أقول، بعد مرور هذه السنوات كلها، إن الحركة الإسلامية المصرية فقدت برحيله واحدًا من أثقل رجالها عقلًا وقيادة وتربية.
وأن بعض الفراغ الذي يتركه الرجال لا تملؤه المناصب، ولا تسده الأسماء.
رحم الله الدكتور عصام دربالة رحمة واسعة.
رحم الله أبا الحسن؛ الرجل الذي عرفناه قبل أن يصبح خبرًا، والقائد الذي بقي أثره بعدما غاب جسده.
وإذا كان الموت قد أغلق صفحة حياته في التاسع من أغسطس/آب 2015، فإنه لم يغلق الصفحة التي كتبها في حياة من عرفوه وعاشوا معه.
أما شهادتي فيه، فستبقى كما عرفته، لا كما رسمته الخصومات، ولا كما اختصرته الأخبار:
كان قائدًا حين عزَّ القادة، ومربيًا قبل أن يكون مسؤولًا، ومفكرًا لم يتوقف عقله عن المراجعة، وقدوةً دفع من نفسه ثمن ما آمن به.
وكان الدكتور عصام دربالة، في تقديري، واحدًا من القادة القلائل في تاريخ الحركة الإسلامية المصرية خلال العقود الأخيرة.
وأقولها اليوم، لا رثاءً ولا مجاملة، وإنما شهادة رجل عاصر الرجل ورأى بعضًا من معدنه:
الدكتور عصام دربالة… قائدٌ قلَّ أن يجود الزمان بمثله.
رحمك الله يا أبا الحسن.
وجزاك الله عما قدمت خير الجزاء، وغفر لك ما كان من خطأ أو تقصير، وتقبّل منك ما كان من خير، وجمعنا وإياك في مستقر رحمته.
إسلام الغمري". (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
أكد الكاتب والمحلل السياسي إسلام الغمري، أن اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل خطوة نحو بناء نواة دفاع إقليمي أكثر استقلالًا، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الاتفاق لا يستهدف إيران بقدر ما يعكس توجهًا متزايدًا لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لدول المنطقة.
يسلط الكاتب محمد كوكطاش الضوء على واحدة من القضايا التاريخية المثيرة للجدل، متتبعًا مسار انتشار الإسلام بين الشعوب، ومتوقفًا عند ما يصفه بغياب التحول الجماعي لليهود إلى الإسلام منذ البعثة النبوية.
يسلط الأستاذ حسن ساباز الضوء على أزمة غزة تتجاوز حدود الحرب لتصبح اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي، حيث تتصادم شعارات العدالة والسلام مع استمرار المأساة الإنسانية وعجز المؤسسات الدولية عن فرض القانون.