العالم الكردستاني أحمد شافعي: أخلاق الاختلاف وحقوق الأخوة ركيزتان لوحدة الأمة الإسلامية
دعا العالم الكردستاني الدكتور "أحمد شافعي" خلال الملتقى الـ11 للعلماء المسلمين إلى ترسيخ أخلاق الاختلاف وصيانة حقوق الأخوة بين المسلمين، محذراً من تحوّل الخلافات الفكرية والفقهية إلى عداوات وانقسامات، ومؤكداً أن مسؤولية العلماء والدعاة تتمثل في تعزيز الاعتدال والحوار والتعاون، والحفاظ على وحدة الأمة رغم تعدد الآراء.
وأكد العالم الدكتور "أحمد شافعي"، من إقليم كردستان العراق، أن الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية يتطلب الجمع بين أخلاق الاختلاف والالتزام بحقوق الأخوة، مشدداً على ضرورة مواجهة التطرف والتعصب، وتعزيز ثقافة التفاهم والتعايش بين المسلمين.
جاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة الأولى من الملتقى الحادي عشر للعلماء، الذي ينظمه اتحاد العلماء والمدارس الإسلامية في مدينة ديار بكر التركية، حيث قدم مداخلة بعنوان "ركيزتان لحفظ الأمة: أخلاق الاختلاف وحقوق الأخوة"، تناول فيها مسؤولية العلماء في معالجة الانقسامات الفكرية والاجتماعية، ودورهم في توجيه المجتمعات نحو الاعتدال والوحدة.
وأوضح "شافعي" أن جانباً من الأزمات التي يشهدها العالم الإسلامي يرتبط بالآثار الناجمة عن الغلو والتجاوز، ما يستدعي دراسة انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأمنية، مؤكداً أن دور العلماء لا يقتصر على نقل المعرفة الدينية، بل يشمل إصلاح المجتمع وإرشاد الناس والمساهمة في حماية وحدة الأمة.
وأشار إلى أن العلماء كانوا عبر التاريخ رواداً لمجتمعاتهم ومرشدين لها، وأن مواقفهم في المنعطفات الكبرى أسهمت في رسم مستقبل المجتمعات الإسلامية، داعياً إياهم إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم في الإصلاح وتحقيق السلم المجتمعي وتعزيز التماسك بين المسلمين.
واستشهد بما يُنسب إلى الإمام مالك من تشبيه العلماء بالنجوم التي يهتدي بها الناس في الليالي المظلمة، موضحاً أن المجتمعات تحتاج إلى توجيه العلماء، ولا سيما في الفترات التي تتزايد فيها الخلافات وتتعقد فيها الأزمات.
الاختلاف لا يبرر العداوة أو القطيعة
وحذّر "شافعي" من أن الخلافات الفكرية قد تتحول، في بعض المجتمعات، إلى خصومات شخصية ثم إلى كراهية وتكتلات وانقسامات، مؤكداً أن الإسلام لم يُلزم الناس بالاتفاق في جميع المسائل، لكنه وضع ضوابط أخلاقية تمنع تحوّل اختلاف الآراء إلى عداوة.
وأوضح أن الأخوة الإسلامية ليست مجرد شعار يُرفع، بل منظومة من الحقوق والواجبات التي تفرض على المسلمين احترام بعضهم بعضاً وصيانة حقوق الآخرين، حتى عندما تتباين وجهات نظرهم.
ولفت إلى أن الأمة تحتاج اليوم إلى مبدأين متلازمين: الالتزام بأخلاق الاختلاف عند تباين الآراء، والمحافظة على حقوق الأخوة عند ظهور الخلافات والخصومات بين القلوب.
وأضاف أن أخلاق الاختلاف تحمي الأمة من التفكك بسبب تعدد الاجتهادات، بينما تسهم حقوق الأخوة في منع العداوة من التفاقم، مؤكداً أن الجمع بين المبدأين يمثل أساساً لبناء أمة قوية ومتماسكة.
الإنصاف والحوار واحترام المخالف
وفي حديثه عن ضوابط الاختلاف، بيّن "شافعي" أن تعدد الآراء يمكن أن يسهم في تطور الأمة إذا بقي ضمن حدود الأخلاق والإنصاف، مشدداً على ضرورة الابتعاد عن الأهواء الشخصية، والنظر بموضوعية إلى حجج الآخرين، والاعتراف بما قد يكون في آرائهم من صواب، مع الاستعداد لمراجعة أوجه القصور في الرأي الشخصي.
واستشهد بمنهج الإمام الشافعي في التعامل مع المسائل الخلافية، موضحاً أن المعنى المستفاد من الأقوال المنسوبة إليه هو عدم اعتبار الرأي الشخصي حقيقة مطلقة، وترك المجال لاحتمال صواب الرأي المخالف.
كما دعا إلى حسن فهم كلام الطرف الآخر، وتجنب التشكيك في النيات وتحويل النقاشات العلمية إلى خلافات شخصية، مشيراً إلى أن العلماء في التاريخ الإسلامي اختلفوا في مسائل عديدة، لكن اختلافهم لم يكن يستلزم بالضرورة قطع روابط الأخوة بينهم.
وأكد أن الحفاظ على لغة الحوار يقتضي الابتعاد عن السخرية والإهانة والانتقاص من كرامة المخالف، والنظر إلى النقاش باعتباره وسيلة للوصول إلى الحقيقة، لا ساحة لإثبات التفوق أو هزيمة الآخرين.
قصة الإمام الشافعي وتلميذه نموذجاً لأخلاق الاختلاف
واستعرض "شافعي" رواية متداولة عن خلاف فقهي وقع بين الإمام الشافعي وتلميذه يونس بن عبد الأعلى، قال إنها تجسد أهمية تقديم الأخوة على الخصومة.
وبحسب الرواية، احتدم الخلاف بينهما في إحدى المسائل الفقهية، فغادر التلميذ مجلس الدرس غاضباً، غير أن الإمام الشافعي ذهب إلى منزله في تلك الليلة، وقال له، وفقاً لما ورد في الرواية: "يا يونس، نجتمع في مئات المسائل، ثم نفترق في مسألة واحدة، أفنخسر أخوتنا بسببها؟".
وتابعت الرواية أن الإمام الشافعي شدد على ضرورة رفض الخطأ دون معاداة صاحبه، وإنكار الذنب مع الرحمة بمن ارتكبه، وانتقاد القول مع احترام قائله، لأن الغاية هي تصحيح الأخطاء لا تحويل أصحابها إلى خصوم.
وأوضح "شافعي" أن الدرس الأساسي من هذه القصة يتمثل في أن الاعتقاد بخطأ رأي معين لا يبرر العداء لمن يتبناه، مشدداً على أن الهدف من النقاش ينبغي أن يكون إظهار الحقيقة، لا الانتصار على الطرف الآخر.
وأضاف أن الحفاظ على العلاقات الإنسانية والأخوية قد يكون أهم من تحقيق الانتصار في بعض النقاشات، داعياً إلى حماية جسور التواصل بدلاً من هدمها بسبب مسائل خلافية.
التحذير من التكفير والإقصاء
وحذّر العالم الكردستاني من أن الابتعاد عن الضوابط الأخلاقية في إدارة الخلافات يهدد وحدة الأمة، خصوصاً عندما يتحول الاختلاف إلى استعلاء متبادل أو اتهامات دينية متسرعة أو إقصاء للمخالفين.
وأشار إلى أن انتقال الخلافات الفكرية إلى التكفير والإقصاء يخلّف آثاراً عميقة في المجتمع، ويقوض الثقة بين أفراده، ويضعف فرص التعاون والعمل المشترك، داعياً العلماء والدعاة إلى تقديم نموذج عملي في إدارة الاختلاف بصورة مسؤولة.
سبع رسائل لتعزيز وحدة الأمة
وحدد الدكتور "أحمد شافعي" سبعة مبادئ أساسية ينبغي الالتزام بها لحماية وحدة المسلمين وتعزيز الأخوة بينهم، وهي:
1. تقديم الإسلام بصورة متوازنة، والابتعاد عن الغلو والتشدد، والالتزام بالعدل والاعتدال في تبليغ رسالته.
2. ترسيخ الاحترام المتبادل وثقافة التعايش، وتوسيع مساحة تقبل الآراء المختلفة بما يحفظ العلاقات بين أفراد المجتمع.
3. توظيف الاختلافات لخدمة المصلحة العامة، وإبراز جوانب التكامل بين المسلمين، وتعزيز التعاون في القضايا المشتركة.
4. تجنب المواقف والاتهامات التي تعمّق الانقسامات، والابتعاد عن الأحكام المسبقة والاتهامات غير المنصفة.
5. توحيد المواقف تجاه القضايا التي تهدد وحدة الأمة، وتحمل المسؤولية في الدفاع عن حقوق المسلمين وأمنهم ومستقبلهم رغم اختلاف الاجتهادات.
6. تقوية روابط الأخوة من خلال السعي إلى حل الخلافات وتقريب وجهات النظر بدلاً من توسيع الفجوات بين الناس.
7. الامتناع عن التسرع في اتهام الآخرين أو التشكيك فيهم، وإدراك أن اختلاف الآراء لا يلغي حقوق الأخوة ولا يبرر القطيعة.
وختم هذه المحاور بالتأكيد على أن اختلاف وجهات النظر أمر ممكن، لكن استمرار الأخوة يظل واجباً، لأن روابط الأخوة أوسع من المسائل التي يختلف المسلمون بشأنها.
مسؤولية العلماء والمدارس الإسلامية في مواجهة التطرف
وفي سياق متصل، شدد "شافعي" على أن العلماء اضطلعوا تاريخياً بدور مهم في مواجهة الغلو والتفسيرات الدينية الخاطئة، والدفاع عن حقيقة الإسلام ومبادئه الأخلاقية.
وأكد ضرورة التصدي لمحاولات ربط الإسلام بالعنف والتطرف، والتمييز بين تعاليم الدين وبين ممارسات الأشخاص الذين يستغلونه لتبرير أفعالهم، داعياً إلى تقدير جهود العلماء والدعاة ومساندتهم في مواصلة أنشطتهم الإصلاحية رغم التحديات التي تواجههم.
مداخلات ختامية تؤكد دور العلماء والمدارس
وعقب انتهاء كلمة الدكتور "أحمد شافعي"، اختُتمت الجلسة الأولى، وانتقل المشاركون إلى فقرة المداخلات وتبادل الآراء.
وخلال هذه الفقرة، تحدث "مصطفى أروسي" عن التطورات التي تشهدها تركيا، محذراً من محاولات، قال إنها تستهدف إعادة البلاد إلى أجواء الفوضى والاضطرابات، ومؤكداً أن العلماء يتحملون مسؤولية كبيرة في توجيه الأمة والحفاظ على استقرارها.
ودعا "أروسي" إلى إيصال رسالة الدعوة الإسلامية إلى المنازل وأوساط التجار وسائر شرائح المجتمع، معرباً عن اعتقاده بأن نشر رسالة الإسلام بصورة صحيحة يسهم في مواجهة الصهيونية والجهات التي وصفها بأنها تعمل لمصلحتها.
كما شدد على أهمية المدارس الإسلامية في إعداد الأجيال، مؤكداً أن التربية على الأدب والأخلاق وحب الوطن والدين والإسلام والمسلمين ينبغي أن تسبق التوسع في التحصيل العلمي، معتبراً أن العلم الذي لا يستند إلى الأدب والتربية السليمة يصعب أن يحقق أهدافه المرجوة. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
أكد الرئيس الفخري لوقف محبي النبي "غوكتاش" خلال مشاركته في الملتقى الـ11 للعلماء المسلمين الدور التاريخي الذي أدّاه العلماء الأكراد في نشر العلوم الإسلامية وتعزيز الحياة الدينية بمختلف مناطق الأناضول، داعياً إلى تفعيل مخرجات لقاءات العلماء وتحويل توصياتها إلى خطوات عملية تعالج قضايا الأمة وتخدم العمل الدعوي.
لقي 4 أشخاص على الأقل مصرعهم جراء العاصفة "إيساياس" التي اجتاحت جنوب الولايات المتحدة، فيما لا يزال مئات الآلاف من السكان والمنشآت دون كهرباء، وفق السلطات المحلية.
دعا الشيخ معاذ الخن خلا مشاركته في الملتقى الحادي عشر للعلماء المسلمين العلماء والدعاة إلى تحديد أولويات العمل الإسلامي وفق متطلبات المرحلة واحتياجات المجتمع، مؤكداً أهمية الجمع بين الإخلاص والعمل، والاهتمام بالشباب والأسرة، وتقديم حلول عملية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.