العالم المصري عصام تليمة: الصبر على أذى الناس أفضل من اعتزالهم
حذّر العالم المصري الشيخ "عصام تليمة: خلال مشاركته في الملتقى الـ11 للعلماء من تنامي النزعة الفردية والعزلة الاجتماعية، مؤكدًا أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، وترسيخ القيم الدينية والثقافية، والصبر على ما يصدر عن الآخرين من أذى ومشكلات.
ودعا العالم المصري الشيخ "عصام تليمة" إلى التصدي لتنامي الفردانية والعزلة الاجتماعية، محذرًا من انعكاساتهما على الزواج والأسرة والعلاقات الإنسانية، ومشددًا على أن بناء مجتمع متماسك يستلزم تحقيق التوازن بين حقوق الفرد ومسؤولياته تجاه الآخرين.
وجاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة الثانية من اللقاء الحادي عشر للعلماء المسلمين في ديار بكر الذي ينظّمه اتحاد العلماء والمدارس الإسلامية في مدينة ديار بكر، حيث قدّم مداخلة بعنوان "مؤسسة الزواج والأزمات الأخلاقية في ظل نزعة الفردانية والعزلة لدى الشباب".
الفردانية والعزلة تحدٍّ عالمي
وأوضح "تليمة" أن النزوع نحو العزلة والابتعاد عن العلاقات الاجتماعية لم يعد مقتصرًا على المجتمعات العربية أو الإسلامية، بل أصبح ظاهرة تواجه أوروبا ومناطق أخرى من العالم، لافتًا إلى أن بعض الشباب باتوا أقل إقبالًا على الزواج.
وأشار إلى أن الأسرة والزواج والإنجاب تحتل مكانة مهمة في الثقافة الإسلامية، إلا أن مؤسسة الأسرة تواجه تحديات متزايدة، الأمر الذي يستدعي البحث عن حلول عملية بدل الاكتفاء بالتذمر من تراجع مكانتها.
وبيّن أن الإسلام يوازن بين حقوق الأفراد واحتياجات المجتمع، فلا يلغي حقوق الإنسان الفردية ولا يتجاهل مسؤولياته الاجتماعية، بل يؤكد التكامل بين الفرد ومحيطه.
واستشهد بسورة العصر، التي تستثني من الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، موضحًا أن النجاة لا ترتبط بالاهتمام الفردي وحده، وإنما تشمل العمل الصالح والتعاون والتواصي بالقيم المشتركة.
وأضاف أن بعض الناس قد يظنون أن الابتعاد عن الآخرين وتجنب مشكلاتهم يوفر لهم حياة أكثر راحة، غير أن الصبر على التعامل معهم وتحمل ما يرافق العلاقات الإنسانية من صعوبات قد يكون أكثر فضلًا من الانعزال التام.
وأوضح أن العيش المشترك قد ينطوي على خلافات ومواقف مؤلمة، لكن التعامل معها بالصبر والمحافظة على الروابط الإنسانية يمثلان سلوكًا أكثر فضيلة من قطع العلاقات والابتعاد عن المجتمع.
تقليد الغرب على حساب القيم
وحذّر "تليمة" من تقليد أنماط الحياة الغربية دون التمييز بين الجوانب الإيجابية والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات نفسها، مشيرًا إلى أن بعض الناس يتبنون عادات مجتمعات أخرى رغبة في الظهور بمظهر عصري، رغم أن تلك المجتمعات تسعى بدورها إلى التخلص من بعض هذه الممارسات.
وأكد أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا ينبغي أن يكون على حساب القيم الدينية والاجتماعية، داعيًا إلى الحفاظ على الهوية الثقافية بدل استيراد أنماط تؤدي إلى تفاقم العزلة وتراجع الروابط الأسرية.
اللغة والثقافة أساس تربية الأبناء
وتناول الشيخ "عصام تليمة" تأثير التعليم واللغة في تشكيل شخصية الأطفال، موضحًا أن حرص بعض الأسر على توفير تعليم أجنبي لأبنائها قد يصاحبه أحيانًا إهمال لغتهم الأم وثقافتهم الأصلية.
وأشار إلى أن الطفل لا يتعلم اللغة في سنواته الأولى فحسب، بل يكتسب معها قيم أسرته ومعتقداتها وطريقتها في الحياة، وهي مرحلة أساسية في تكوين شخصيته ونظرته إلى العالم.
ولفت إلى أن بعض الأسر تواجه اليوم صعوبات في التواصل مع أبنائها بلغتها الأم، مستشهدًا بتجربته الشخصية، إذ ذكر أن ابنه لا يستطيع التحدث بالعربية، ويتعلم التعبيرات الدارجة بدلًا من إتقان العربية الفصحى، معتبرًا أن التأثر بالتعليم باللغة الإنجليزية والثقافة المرتبطة به أحد العوامل التي ينبغي الانتباه إليها.
وشدد على أن الدعوة إلى الحفاظ على اللغة والثقافة لا تعني رفض تعلم اللغات الأجنبية، بل تستلزم تحقيق التوازن بين اكتساب لغات جديدة وتعليم الأبناء لغتهم ودينهم وثقافتهم وقيمهم الأخلاقية.
وسائل التواصل تضعف العلاقات الواقعية
وفي حديثه عن التكنولوجيا الحديثة، اعتبر "تليمة" أن الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، ومنها فيسبوك وتويتر وإنستغرام، أسهمت في تغيير طبيعة العلاقات الإنسانية، موضحًا أن هذه الوسائل التي أُنشئت لتسهيل التواصل قد تتحول، عند إساءة استخدامها، إلى سبب في إضعاف الروابط الاجتماعية.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص، بمن فيهم متدينون، باتوا يكتفون بإرسال الرسائل عبر المنصات الرقمية بدل زيارة أقاربهم وأصدقائهم والالتقاء بهم وجهًا لوجه.
وأضاف أن مشاركة صورة أو إعادة نشر رسالة لا تستغرق سوى ثوانٍ، بينما تحتاج العلاقات الحقيقية إلى الوقت والجهد والإخلاص، محذرًا من أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل قد يؤدي إلى زيادة العزلة بدل تعزيز الاندماج الاجتماعي.
كما نبّه إلى أن الانشغال بالهواتف داخل المنازل بات يحدّ من التواصل بين الآباء والأبناء وبين الأزواج وسائر أفراد الأسرة، إذ يقضي بعض أفراد المنزل الواحد أوقاتًا طويلة أمام شاشاتهم بدل الحوار والاستماع إلى بعضهم بعضًا، الأمر الذي يضعف التواصل الأسري.
انتشار المعلومات الكاذبة عبر المنصات الرقمية
وحذّر "تليمة" من الانتشار السريع للأخبار والمعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن ملايين المستخدمين يعيدون نشر محتويات دون التحقق من صحتها أو معرفة مصادرها.
وأوضح أن تداول المعلومات لمجرد ظهورها أمام المستخدم، من دون فحص دقتها، يسهم في انتشار الأخبار الكاذبة، مؤكدًا ضرورة التثبت من صحة المحتوى قبل نقله إلى الآخرين، اتساقًا مع التحذيرات النبوية من الكذب ونقل الأخبار غير الصحيحة.
حماية الزواج والأسرة من الأزمات
وفيما يتعلق بالعلاقات الزوجية، أكد "تليمة" أن الحياة الأسرية لا ينبغي أن تقوم على سعي أحد الطرفين إلى فرض السيطرة على الآخر أو جعله تابعًا له، بل يجب أن تستند إلى الحقوق والواجبات المتبادلة.
وأوضح أن الإسلام حدّد حقوق الزوجين ومسؤولياتهما بما يهدف إلى إقامة الحياة الأسرية على العدل والرحمة والتفاهم، محذرًا من التصورات التي تقدّم الزواج للشباب باعتباره ساحة للصراع والخلاف.
ودعا إلى توعية الشباب بأن الزواج لا يقتصر على التحديات والمسؤوليات، بل يمكن أن يكون مصدرًا للسكن والمودة والتعاون وتحمل المسؤولية المشتركة، مشددًا على أهمية حماية الأسرة وتعزيز استقرارها في مواجهة الأزمات الاجتماعية والأخلاقية.
واختُتمت أعمال الجلسة الثانية عقب مداخلة الشيخ "عصام تليمة"، على أن يواصل اللقاء الحادي عشر للعلماء فعالياته في اليوم التالي بعقد جلسته الثالثة. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
شهد اليوم الثاني من الملتقى الحادي عشر للعلماء كلمات ترحيبية ألقاها عدد من العلماء والأكاديميين، شددوا خلالها على أهمية توحيد الجهود الدعوية، والاقتداء بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، والتأكيد على مركزية قضية فلسطين وغزة والمسجد الأقصى في وجدان الأمة الإسلامية.
دعا الدكتور "عبد العزيز قرانشال" خلال مشاركته في الملتقى الـ11 للعلماء في ديار بكر العلماء والمسلمين إلى استعادة دورهم في بث الأمل داخل مجتمعاتهم والعالم، مؤكدًا أن تجديد الوعي بوحدة الأمة يقتضي معالجة مشكلات الناس والدفاع عن المظلومين ومواجهة الأنظمة الجائرة.
أكد الشيخ "شوقَت غوكتشان"خلال مشاركته في الملتقى الحادي عشر للعلماء في ديار بكر أن تجاوز المشكلات التي تواجه المدارس الشرعية يتطلب تعزيز صلتها بالمجتمع، وفهم واقع الناس واحتياجاتهم، وتأهيل كوادر تجسّد القيم الإسلامية في سلوكها قبل نقلها إلى الآخرين.